مجددًا يتعرض مشروع توشكى، لانتقادات من علماء الهيدرولوجيا وعلماء البيئة باعتباره مشروعًا مُهدرًا للمياه، إذ يحوّل كميات هائلة من مياه النيل إلى واحدة من أشد صحاري العالم حرارةً وجفافًا، وفقًا لموقع "بالس أوف أفريقا".
وفيما اعتبره يكشف عن تناقض جوهري في رواية مصر عن ندرة المياه، قال التقرير إن مرتفعات إثيوبيا تُشكّل خزانات المياه الطبيعية لحوض النيل، حيث تُجمع مياه الأمطار وتُخزّن وتُطلق عبر شبكات الأنهار التي تُغذي ملايين السكان في المصب.
وبدلاً من تحويل مياه النيل الثمينة إلى صحراء تعاني من شحّ المياه، تُوفّر النظم البيئية في مرتفعات إثيوبيا الأساس الطبيعي لتوليد المياه وتنظيمها في الحوض.
وأبرز التقرير انتقادات المراقبين الدوليين وباحثي أحواض الأنهار عدة أسباب رئيسة تجعل مشروع توشكى يُنظر إليه على أنه استخدام غير فعال للمياه:
1. خسائر التبخر الهائلة
الحجة الرئيسة ضد هذا المشروع هي معدل التبخر الكارثي. تقع بحيرات توشكى في الصحراء الغربية، حيث يصل معدل التبخر اليومي إلى 14-15 مليمترًا. تُظهر الدراسات الهيدرولوجية المنشورة عبر موقع (ResearchGate)، أن التبخر يمثل حوالي 86% من إجمالي فقدان المياه من هذه البحيرات. ويتسبب ذلك في تبخر مليارات الأمتار المكعبة من المياه العذبة قبل أن تُستغل بفعالية في الزراعة.
2. ديناميكيات الحوض المغلق
منخفض توشكى هو نظام مغلق، مما يعني أن الماء ليس له منفذ طبيعي إلى أي بحر أو نهر.
تراكم الملوحة: لأن الماء ليس لديه مكان يذهب إليه سوى الصعود إلى الغلاف الجوي، فإنه يترك وراءه قشور ملحية ثقيلة.
تدهور التربة: بمرور الوقت، تصبح المياه المتبقية مالحة بشكل متزايد، مما يؤدي إلى تدمير النظام البيئي المحلي وجعل التربة المحيطة سامة لزراعة المحاصيل على المدى الطويل.
3. ضعف ملاءمة التربة في الصحراء
تتطلب عمليات استصلاح الأراضي كميات هائلة من المياه لمجرد الحفاظ على رطوبة الرمال المسامية بدرجة كافية لدعم نمو النباتات. ووفقًا لبيانات التقييم التي جمعتها الشبكة الدولية لأبحاث حوض النيل، فإن حوالي 10% فقط من تربة منطقة توشكى مناسبة للري طويل الأمد.
أما الباقي فيعاني من التعرية الشديدة بفعل الرياح، وأحواض الطين الثقيلة التي تحبس المعدات الميكانيكية، ومعدلات التسرب العالية، مما يعني أن الكثير من المياه التي يتم ضخها تضيع في أعماق الأرض أو تضيع في محاولة ري الأراضي غير المتعاونة.
4. نظام هيدرولوجي غير فعال يعتمد على فترات ازدهار وانكماش غير متوقعة
يعتمد المشروع بشكل كبير على فائض المياه الناتج عن سنوات الفيضانات غير المتوقعة. فعندما تشهد الدول الواقعة في أعالي النهر هطول أمطار غزيرة، تتضخم البحيرات بشكل مصطنع، لتنكمش بشكل كبير أو تجف تمامًا خلال سنوات الجفاف. ويعني هذا التناقض أن المليارات التي أُنفقت على البنية التحتية- مثل محطة ضخ مبارك الضخمة- والتريليونات الأولية من الجالونات المحولة، تُسفر عن عائد زراعي غير مستقر ومتقطع.
وبحسب التقرير، يكشف هذا التناقض عن تناقض جوهري في رواية مصر عن ندرة المياه. فبينما يصوّر النظام المصري كل مشروع تنموي في أعالي النهر على أنه تهديد لأمنه المائي، تُحوّل كميات هائلة من مياه النيل عمدًا إلى بيئة شديدة الجفاف، حيث يستهلك التبخر والتسرب كميات كبيرة منها قبل أن تُؤتي ثمارها على المدى الطويل.
لذا، لا يمكن معالجة ندرة المياه بمجرد المطالبة بمزيد من السيطرة على النيل، بل يتطلب الأمر إعادة النظر في كيفية إدارة مياه حوض النيل واستخدامها والحفاظ عليها.
في المقابل، أشار إلى أن وضع إثيوبيا يختلف اختلافًا جوهريًا. فمرتفعاتها تُشكل خزانًا طبيعيًا لمياه حوض النيل، حيث تجمع مياه الأمطار وتغذي الأنهار التي تُعيل المجتمعات الواقعة في المصب. ولا ينبغي النظر إلى هذا التحدي على أنه صراع بين دول المنبع والمصب، بل كمسؤولية مشتركة لإدارة مياه الحوض بشكل مستدام وفعال وعادل.
سد النهضة
لعقود طويلة، ركز الخطاب المصري على الهشاشة والاستحقاق التاريخي. لكن الأمن المائي الحقيقي لا يمكن بناؤه على امتيازات الحقبة الاستعمارية، أو الضغوط الخارجية، أو محاولات تقييد التنمية في أعالي النهر. بل يجب بناؤه على التعاون والكفاءة والاعتراف بالمصالح المشروعة لجميع دول حوض النيل.
وخلص التقرير إلى أنه لا يمكن ضمان مستقبل النيل بمعاملة موارد المياه الطبيعية في إثيوبيا كاحتياطي استراتيجي حصري لمصر. بل يجب ضمانه من خلال فهم جديد شامل لحوض النيل، يُقرّ بمساهمة إثيوبيا كمصدر للنيل، ويحترم سيادة دول المنبع، ويضع الإدارة المستدامة والعادلة في صميم دبلوماسية النيل.
https://pulseofafrica.info/opinion/184

